أبو شعيب الدكالي

ينتسب المحدث الحافظ أبو شعيب بن عبد الرحمن الدكالي الصديقي إلى بيت الصديقات من قبيلة أولاد عمرو، إحدى قبائل دكالة، والمستوطنة جنوب مدينة الجديدة. تلقى أبو شعيب الدكالي تعليمه الأولي بمسقط رأسه، على يد شيوخ وعلماء القبيلة وعلمائها من أمثال العلامة ابن عزّوز، والعلامة محمد الصديقي، ومحمد الطاهر الصديقي وغيرهم. ثم انتقل إلى الريف حيث زاول بها دروس الفقه والحديث والقراءات. وفي سنة 1315 هـ رحل إلى مصر فمكث بها مدة طويلة وأخذ فيها العلم عن علماء الأزهر مثل: شيخ الإسلام سليم البشرى، والعلامة الشيخ محمد بخيت، والشيخ محمد محمود الشنجيطي اللغوي الشهير، والشيخ أحمد الرفاعي وغيرهم كثير. وبعد ذلك قصد مكة المكرمة طلبا للعلم والمعرفة، ودرس على يد جل علمائها ، وأجازه عدد كبير من شيوخ العلم من البلاد العربية كاليمن والعراق والشام إضافة إلى بعض علماء الهند. و حظي عند أمير مكة،خلال هذه الفترة، بالحظوة الحسنة وولاه بعض الوظائف الدينية، كالخطابة في الحرم المكي، والإفتاء في المذاهب الأربعة٠
وفي سنة 1325 هـ ـ 1907 م عاد إلى المغرب تعظمه الملوك ، وقام بالدعوة إلى العمل بالحديث مع احترام المذهب المالكي وعدم التعصب له ، وفي العقيدة دعا إلى مذهب السلف ورد على المتكلمين ، ودعا إلى انتهاج السنة ونبذ البدعة وهاجم الطرق الصوفية بشدة ، وسفه شعائرها٠
ترك أبو شعيب الدكالي من خلفه عدداً كبيراً من العلماء، خاصة لما استقر في رباط الفتح، فقد درس جميع كتب السنة الستة ، مع جملة وافرة من كتب الأدب ، وتفسير القرآن الذي كان من خلاله ينشر أفكاره الإصلاحية.
ومن المشاهير الذين تتلمذوا عليه وحملوا أفكاره وقاموا بمحاربة التصوف وبدعه من بعده:
الشيخ محمد بن الحسن الحجوي
الحافظ محمد المدني بن الغازي العلمي
القاضي الإمام محمد بن عبد السلام السائح الرباطي
القاضي عبد الحفيظ بن الطاهر الفاسي الفهري
العلامة الشريف محمد بن العربي العلوي
الشيخ محمد بن الحسن الحجوي
الشيخ محمد بن الحسن الحجوي كانت دعوته للإصلاح وطريقة السلف وترك الجمود مثلٌ ، ألف كتبا قيمة مفيدة ، منها “الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي”. وكان يدعو إلى عقيدة السلف وترك التأويل في الصفات ، حارب الصوفية في شعائر الطريق والغلو في الصالحين، ودعا إلى  تجديد الفقه الإسلامي والعودة به إلى معينه الصافي. توفي سنة 1376 هـ.
الحافظ محمد المدني بن الغازي العلمي
القاضي الحافظ الشريف محمد المدني بن الغازي ابن الحُسْني العلمي ، كان شامة في جبين ذلك العصر، وله شرح على “المختصر” بالدليل لم يكتمل ، وشرح على “المرشد المعين” بالدليل ، وهو نفسه كان يدرس “زاد المعاد” لابن القيم في جامع السنة بالرباط. وله شرح “نصيحة أهل الإسلام” للشيخ محمد بن جعفر الكتاني في أربعة مجلدات. وكان له في الحديث والأدب اليد الطولى. توفي سنة 1378 هـ.
القاضي محمد بن عبد السلام السائح الرباطي
القاضي محمد بن عبد السلام السائح الرباطي، وله اليد الطولى في العلوم. وكان على مذهب شيخه الدكالي في دعوته للسنة ونبذ البدع. توفي سنة 1368 هـ.
القاضي عبد الحفيظ بن الطاهر الفهري
القاضي عبد الحفيظ بن الطاهر الفاسي الفهري. له المؤلفات الهامة في التراجم والإسناد، والدعوة من خلال ذلك لطريقة السلف أيضا، وترك البدع والخرافات.
العلامة الشريف محمد بن العربي العلوي
ومن أشهر أصحاب أبي شعيب الدكالي، وحاملي رايته من بعده: العلامة الشريف محمد بن العربي العلوي، رحمه الله تعالى.
لما نفي السلطانُ محمد بن يوسف سنة 1373هـ وبويع ابن عمه محمد بن عرفة ، قام في ذلك قياماً عظيماً، وأفتى بقتال المناهضين ، وجاهر المحتل بالعداوة فنفوه للصحراء ، ونالته جملة من المحن. والتف حوله الناس بعد وفاة الدكالي، وجعلوه شيخا للإسلام بالمغرب.
وقد كان ابن العربي العلوي أشد في نقده للصوفية من شيخه الدكالي. ولما استقل المغرب اعتزل بُعَيْد ذلك لكونه رأى ما لا يسره من انحراف الحكم عن الإسلام، إلى أن توفي سنة 1384، ولم يصنف شيئا.
والفضل في نشر هذا التيار الإصلاحي بالمغرب يرجع إلى الشيخ أبي شعيب الدكالي وغيره ذلك العالم المصلح الذي كان نادرة المغرب وعلمائها الأفذاذ، إماما في علوم الحديث والسنة، كان يدعو إلى السنة، شديد القمع لأهل الأهواء والمبتدعين، والمشعوذين، كان فصيح اللسان بحرا في المعارف عارفا بطرق الإقناع، فضلا عن خبرته بأحوال العالم الإسلامي التي اكتسبها في جولته بالمشرق، حيث اتصل هناك بدعاة السلفية الذين تأثر بهم. تصدر سنة 1907 مجموعة من الذين قاموا يذكرون الشعور الديني في العامة، ويدعون إلى الجهاد، ويحضون على التمسك بالكتاب والسنة، وهجر البدع والأهواء التي انحرفت بالأمة عن سبيل المومنين، وهدي السلف الصالح، وفرقت كلمتهم طرائق قددا وهكذا قام أبو شعيب الدكالي بحملة شعواء ضد الجهل والتخلف رافعا مشعل المقاومة مدافعا في إيمان وإخلاص عن الحنيفية السمحة، صابرا على مايوجه إليه من المعارضين سلاحه القرآن والحديث، في تغيير المنكر ومحاربة البدع. ووجدت دعوته إقبالا واسعا في أوساط الشباب الذين ناصروها بما أوتوا من قوة وسار على نهجه تلميذه الشيخ محمد بن العربي العلوي، الذي استطاع بفكره أن يستقطب حوله عددا كبيرا من الشباب المتنور أمثال علال الفاسي وإبراهيم الكتاني، ومحمد غازي وأبو بكر القادري واللائحة طويلة ٠ولعبد الله كنون الحق فيما ذهب إليه من اعتبار هذا التلاقح الفكري بين المغرب والمشرق، لأن الحالة الاجتماعية التي كانت سائدة في المغرب في هذه الفترة التي شهدها أبو شعيب الدكالي كانت مزرية: هناك البطالة والمجاعة والجهالة والجمود الفكري، الذي ينعكس سلبا على الواقع، حيث كان التقليد هو المسطير، وقوي الاعتقاد في أصحاب القبور، وقل المفسر الذي يرشد الناس إلى روح الهداية القرآنية، ويبرز تأثيرها وصلاحيتها، وقل كذلك المحدث المتمكن من السنة الذي يقرب للناس حقيقة الإسلام، ويبرزه في صورته الصحيحة غضا طريا، وإنما كانت هناك كتب المقلدين والمختصرات ذات الفقه الجاف التي لاتربي ملكة ولاتبدي للتشريع حكمة، فأصبح العلم عبارة عن معلومات جافة تحول وتنتقل من دماغ إلى دماغ، وأغلق باب الاجتهاد، وحيل بين العقول وبين التفكير الحر٠


الحديث عن أبي شعيب الدكالي يدفعنا إلى الحديث عن الحالة الفكرية التي ظهر فيها وعاشها أبو شعيب الدكالي، وذلك ضمن الحديث عن السلفية في المغرب
ومن المبادىء التي تأسست من أجلها الحركة السلفية في المغرب: فتح باب الاجتهاد في التشريع والفقه الإسلامي حتى تتحقق مواكبة العصر، وقد كان الملوك العلويون يشجعون على ذلك ويدعون العلماء المجتهدين إلى مجالسهم لمناقشة العلوم الإسلامية والتباحث فيها، كما اعتمدت السلفية على شرح القرآن الكريم وتفسيره، وإشاعة علم الحـديـــث ونشره في الأوساط العلمية، واعتبارهما المرجعان اللذان يعتمد عليهما بدل الاعتماد على كتب الفروع. ومن العلوم التي كانت قد اندثرت تفسير القرآن الكريم الذي كان ممنوعا تحت ادعاء: “إذا فسر القرآن، مات السلطان” وقد أبطل هذا الزعم أبوشعيب الدكالي وفسر القرآن وقال: بسم الله نفسر القرآن ولا يموت السلطان” ففسر القرآن وعاش السلطان٠
والسلفية في المغرب كانت نفس المنوال التي تسير عليه أختها في الشرق، وهكذا نجد في كل البقاع الإسلامية، بحيث يكون هناك رجل للسياسة والثورة، وآخر للإحياء والاجتهاد. ففي المغرب انقسم السلفيون إلى علماء يواجهون الاستعمار مواجهة سياسية كالشيخ محمد بن العربي العلوي وتلميذه علال الفاسي، وعلماء مجتهدين أمثال الشيخ أبي شعيب الدكالي ومحمد المدني بن الحسني اللذين عملا على تربية الأمة المغربية تربية إسلامية توافق مبادىء الإسلام، وتمكنهم من مواجهة التحديات٠
وفعلا قاومت الحركة السلفية تحديات كبرى ومعارك قوية كان روادها ومحركوها رجال أفذاذ ومصلحون رواد، منهم أبو شعيب الدكالي الذي كانت محاضراته ودروسه، وتوجيهاته نبراسا وموجها لمحاربة الاستعمار، ونشر الوعي المتمثل في الثقافة القرآنية الصحيحة. ويخبرنا علال الفاسي رحمه الله بأنه كانت هناك ثلة من الشباب تجتمع بفاس حول ابن العربي العلوي، ومثلها في الرباط حول الشيخ أبي شعيب الدكالي يحضرون المحاضرات، ويتبادلون الزيارات والمقالات التي ينشرونها في صحف الجزائر وتونس، لأن المغرب لم يكن يحظى إذ ذاك بجريدة مستقلة، ولم تمض أيام على هذه الحركة حتى أخذت سلطة الحماية تتخوف منها، وتشعر أنها موجهة لمقاومة الطرقيين وغيرهم٠
وفي هذا الإطار أصدرت سلطات الحماية الظهير البربري سنة 1930 الذي يرمي إلى تطبيق العرف المحلي بدل الشريعة الإسلامية في القبائل البربرية مع توسيع نفوذ المحاكـم الفرنسية في المغرب٠
وقد نهج الاستعمار جملة من الوسائل لمحاولة تقسيم المغرب إلى عرب وبربر. وقد أشار « ليوطي” إلى بعض هذه الوسائل: “يجب بادىء ذي بدء أن نتجنب تعليم اللغة العربية لأناس دأبوا على الاستغناء عنها، إن اللغة العربية تجر إلى الإسلام، وأنها تتعلم في القرآن، هذا في حين أن مصلحتنا تحتم علينا العمل على جعل البربر يتطورون خارج الإسلام، ومن الناحية اللغوية يجب أن نعمل على الانتقال من البربرة إلى الفرنسية، “كما أنه من الضروري إنشاء مدارس فرنسية بربرية تكون مهمتنا تعليم الفرنسية لصغار البربر” هذا النص سيفجر حماس المصلحين المغاربة، وسيصعد حرارة تأثير القرآن الكريم في قلوبهم خصوصا وأنهم يعلمون جزاء الجهاد، ويعرفون قيمة الشهادة والاستشهاد في سبيل الله ويقدرون المسؤولية العظمى تجاه وطنهم، كما يقدرون حق التقدير الأمانة التي يحملونها في عنقهم، فكان رد الفعل عنيفا تجاه الظهير البريري، وماقاله “ليوطي” في النص السابق، فهرعت القبائل البربرية إلى الرباط، معلنة رفضها لما جاء في الظهير البربري، ومطالبة بتعيين القضاة الشرعيين فيها، مؤكدة عدم قبولها للمحاكم العرفية المخالفة لتعاليم الإسلام كما أحدث هذا الظهير استياء كبيرا في العالم الإسلامي، بحيث لم تبق جمعية إسلامية، أو معهد ديني إلا واستنكر هذا الفعل الشنيع، وفي هذا السياق قام شكيب أرسلان بزيادة للمغرب وفضح سياسة المستعمر، وحث المغاربة على التمسك بوحدتهم وإسلامهم وعروبتهم واغتنمت الحركة الوطنية فرصة التضامن والترباط الذي نتج عن صدور الظهير البربري، ونتيجة لتأثير القرآن في حياتهم، وتشبعهم بتعاليمه وتمسكهم بهديه، سيدعون إلى تنظيم مظاهرات احتجاجية، وتجمعات دينية داخل المساجد وخارجها شعارها: قراءة اللطيف: “اللهم يالطيف ألطف بنا فيما جرت به المقادر ولاتفرق بيننا وبين إخواننا البرابر. إلى جانب هذه الظروف السياسية القاسية التي عرفها المغرب في حياة أبي شعيب الدكالي هناك عوامل فكرية كانت لها علاقة وطيدة بالعامل السياسي، وهي تتمثل في انتشار الطرقية المساندة من قبل الاستعمار التي كان لها أثر عميق على المنحى العقلي، حيث كان مشلول الحركة نتيجة اعتماد الفكر الطرقي على البدع والخرافات التي كان يحسبها الناس من الدين في غمرة هذه الأحداث والوقائع ظهرت الحركة السلفية، وهي دعوة إلى تطهير الدين والسنة المطهرة مما علق بهما، فكانت بحق منارا ساطعا للعالم الإسلامية ينير له الطريق وسط ظلمات الجهل والضلال، ويوضح المنهج الصحيح الذي يجب على المسلمين اتباعه٠

About these ads

About al-farji

mohammed al-farji, ouled frej doukkala, professeur mathématiques
This entry was posted in Islam, Maghrib, Monde Arabe, Ouled frej Doukkala, المغرب, الإسلام, العالم العربي, العرب, اولاد فرج أولاد دكالة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s